صديق الحسيني القنوجي البخاري
63
فتح البيان في مقاصد القرآن
وقيل : إن الإعراض بمعنى التكذيب لأن من أعرض عن شيء ولم يقبله فقد كذبه ، وعلى هذا فيكون ذكر التكذيب للدلالة على صدور ذلك منهم على وجه التصريح ، والأول أولى . فالإعراض عن الشيء عدم الالتفات إليه . ثم انتقلوا عن هذا إلى ما هو أشد منه وهو التصريح بالتكذيب ، ثم انتقلوا عن التكذيب إلى ما هو أشد منه وهو الاستهزاء كما يدل عليه قوله : فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبؤُا وهي ما يستحقونه من العقوبة آجلا وعاجلا ، وسميت أنباء لكونها مما أنبأ عنه القرآن وقال : ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ولم يقل : ما كانوا عنه معرضين ، أو : ما كانوا به يكذبون ، لأن الاستهزاء أشد منهما ، ومستلزم لهما ، وفي هذا وعيد شديد ، وقد مرّ تفسير مثل هذا في سورة الأنعام . ثم ذكر سبحانه ما يدل على كمال قدرته من الأمور الحسية ، التي يحصل بها للمتأمل فيها ، والناظر إليها ، والمستدل بها أعظم دليل ، وأوضح برهان ، وبيّن أنه أظهر لهم أدلة تحدث في الأرض وقتا بعد وقت تدل على توحيده ، ومع ذلك استمر أكثرهم على الكفر فقال : أَ وَلَمْ يَرَوْا الهمزة للتوبيخ ، والواو للعطف على مقدر ، كما في نظائره إِلَى الْأَرْضِ أي : إلى عجائبها وبيّن بعضها بقوله : كَمْ أَنْبَتْنا فِيها أي : كثيرا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ فنبه سبحانه على عظمته وقدرته ، وأن هؤلاء المكذبين المستهزئين لو نظروا حق النظر لعلموا أنه سبحانه الذي يستحق أن يعبد ، والمراد بالزوج هنا الصنف والنوع ، وقال الفراء : هو اللون . وقال الزجاج : زوج نوع ، وكريم محمود . والمعنى من كل زوج نافع ، لا يقدر على إنباته إلا رب العالمين ، إذ ما من نبت إلا وله النفع . والكريم في الأصل الحسن الشريف ، يقال : نخلة كريمة ، أي : كثيرة الثمرة ، ورجل كريم ، شريف فاضل ، وكتاب كريم ؛ إذا كان مرضيا في معانيه ، والنبات الكريم هو المرضي في منافعه . قال الشعبي : الناس مثل نبات الأرض فمن صار منهم إلى الجنة فهو كريم ، ومن صار منهم إلى النار فهو لئيم . وفائدة الجمع بين كلمتي الكثرة والإحاطة أو كلمة كل تدل على الإحاطة بأزواج النبات على سبيل التفصيل ، و ( كم ) تدل على أن هذا المحيط متكاثر مفرط الكثرة ، وبه نبه على كمال قدرته . قاله الزمخشري ، وإليه أشار في التقرير . إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً أي : فيما ذكر من الإنبات ، أو في كل واحد من تلك الأزواج لدلالة بينة وعلامة واضحة على كمال قدرة اللّه سبحانه ، وبديع صنعته ، واللام زائدة في اسم إن المؤخر . وقد ذكرت هذه الآية في هذه السورة ثمان مرات ، ثم أخبر سبحانه بأن أكثر هؤلاء مستمر على ضلالته ، مصمم على جحوده وتكذيبه واستهزائه فقال :